ابراهيم بن عمر البقاعي
411
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
اللّه عنها والطبراني في الأوسط من وجه عنها ، ومن وجه آخر عن أنس رضي اللّه عنه ، قال شيخنا حافظ عصره ابن حجر : وكل طرقه ضعيفة ، وروى البغوي أيضا من طريق الثعلبي عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية قال : « عجائزكن في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن أبكارا » . ولما كان هذا الوصف البديع مقتضيا لما يزدهي عنه النفس لأن يقال : لمن هؤلاء ؟ وإن كان قد علم قبل ذلك ، نبه عليه بقوله تعالى : لِأَصْحابِ الْيَمِينِ * ويجوز أن يتعلق ب أَتْراباً نصا على أنهن في أسنان أزواجهن . ولما أنهى وصف ما فيه أهل هذا الصنف على أنهى ما يكون لأهل البادية بعد أن وصف ما للسابقين بأعلى ما يمكن أن يكون لأهل الحاضرة ، وكان قد قدم المقايسة في السابقين بين الأولين والآخرين ، فعل هنا كذلك فقال : ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * أي من أصحاب اليمين وَثُلَّةٌ أي منهم مِنَ الْآخِرِينَ * فلم يبين فيهم قلة ولا كثرة ، والظاهر أن الآخرين أكثر ، فإن وصف الأولين بالكثرة لا ينافي كون غيرهم أكثر ليتفق مع قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة ، فإنهم عشرون ومائة صف ، هذه الأمة منهم ثمانون صفا . ولما أتم وصف ما فيه الصنفان المحمودان ، وبه تمت أقسام أصحاب الميمنة الأربعة الذين هم أصحاب القلب واليمين ، أتبعه أضدادهم فقال : وَأَصْحابُ الشِّمالِ أي الجهة التي تتشاءم العرب بها وعبر بها عن الشيء الأخس والحظ الأنقص ، والظاهر أنهم أدنى أصحاب المشأمة كما كان أصحاب اليمين دون السابقين من أصحاب الميمنة ، ثم عظم ذمهم ومصابهم فقال : ما أَصْحابُ الشِّمالِ * أي إنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن يسأل عنه . ولما ذمهم وعابهم ، ذكر عذابهم ليعلم أن القسم الأشد منهم في الشؤم أشد عذابا فقال : فِي سَمُومٍ أي ظرفهم المحيط بهم لفح من لفح النار شديد يتخلل المسام وَحَمِيمٍ * أي ماء حار بالغ في الحرارة إلى حد يذيب اللحم . ولما كان للتهكم في القلب من شديد الوقد ما يجل عن الوصف والحد قال : وَظِلٍّ ثم أتبعه ما صرح بأنه تهكم فقال : مِنْ يَحْمُومٍ * أي دخان أسود كالحمم أي الفحم شديد السواد بما أفهمته الزيادة وشبه صيغة المبالغة . ولما كان المعهود من الظل البرد والإراحة ، نفى ذلك عنه فقال : لا بارِدٍ ليروح النفس وَلا كَرِيمٍ * ليؤنس به ويلجأ إليه ويرجى خيره ويعول في حال عليه بأن يفعل ما يفعله الواسع الخلق الصفوح من الإكرام ، بل هو مهين ، سماه ظلّا لترتاح النفس إليه ثم نفى عنه نفع الظل وبركته لينضم حرقان : اليأس بعد الرجاء إلى إحراق اليحموم فتصير الغصة غصتين .